السيد محمد تقي المدرسي

201

من هدى القرآن

[ 81 ] في خضم المشاكل اليومية التي يواجهها البشر ينسى الحقائق الكبرى ، كمن يعالج شجرة في طريقه فتحجبه عن الغابة ، وإنما المهديون من عباد الله يتذكرون أبدا تلك الحقائق الكبيرة . من أين وإلى أين ومن المدبر ؟ . والموت والحياة هما أخطر ظاهرتين يمر بهما البشر ، وإذا كشفت عن بصره غشاوة الغفلة فإنه يهتدي إلى من يقهر الناس بالموت ، ثم يبعثهم للحساب ، قال إبراهيم عليه السلام : وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . [ 82 ] علاقة البشر بأي شيء أو شخص تنتهي بالموت ، ولكنها تستمر مع الرب إلى يوم الدين ، حيث لا تنفع علاقة أخرى . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ إن القلب الواعي تنكشف له الحقائق حتى يبلغ ذروتها ، المتمثلة في اليقين بالبعث والنشور ، وهكذا كان عند إبراهيم عليه السلام . [ 83 ] لقد تجلت الحقائق لقلب إبراهيم عليه السلام حيث سلم لرب العالمين ، ففاضت يقينا وسكينة ، ونطقت بتطلعات سامية من وحي تلك الحقائق ، فمن آمن برب العالمين ، وعرف أنه الخالق الهادي ، والمطعم الساقي ، والشافي ، والمحيي المميت ، والغافر للذنوب فلا يملك نفسه أن يتضرع إليه ، ويطلب حاجاته . وتطلعات الإنسان كبيرة ، لأن الله خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وأكرمه ، وفضله ، وأودع في نفسه روح النمو والتسامي إلا إن عبادة الأصنام تكبت النفس وتذلها وتميت تطلعاتها ، أما إبراهيم عليه السلام الذي تحرر من هذه العبادة فقد انفتحت قريحته بالدعاء ، وأعظم به وأعظم بمن دعا وأعظم بما دعا ، إذ قال : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً هذا طلب عظيم أن تسأل الله أن يجعلك خليفته في الأرض ، ويبدو أن الحكم هنا النبوة أو العلم ، ومما يدعو المؤمنون به قولهم : رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [ الفرقان : 74 ] . وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وأكرم الصالحين هم الأنبياء ، ويبدو أن إبراهيم عليه السلام طلب بذلك الاستقامة على الطريقة حتى النهاية ليلتحق بالصالحين ، وذلك لعلمه أن الأمور بخواتيمها ، وعلى الإنسان أن يوطن نفسه لمقاومة الضغوط حتى يحظى بعاقبة حسنى . [ 84 ] قد ينتهي الإنسان ، ويمحى أثره ، وينسى ذكره إلا إن النفس السوية تتطلع إلى بقاء ذكره الحسن من بعده ، كذلك قال إبراهيم : وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ . وكان رسول الله صلى الله عليه وآله هو دعوة إبراهيم كما قال ، فهو - إذا - لسان صدق في الآخرين ،